المنافع والمضار والمعالجات لوسائل التواصل المجتمعي
نشر الإثنين 5 فبراير 2018

 المنافع والمضار والمعالجات لوسائل التواصل المجتمعي

نــــــــــبأ 24 // الوطــنية 

عن // ذ حـــــسن فقير 

     تشهد وسائل التواصل المجتمعي حراكا نشطا، مشاركات ومناقشات واسعة تخطت حدود الدول فجمعت شعوب العالم في جهاز صغير يحمله المرء في جيبه، وتستقطب كل يوم أعضاء جدد ينتمون إلى شرائح متباينة في العمر والانتماء الفكري والمستوى المعرفي والثقافي … في مرحلة زمنية فاصلة يحكم فيه العصر الإلكتروني بمختلف وسائله وأدواته وقنواته وإعلامه قبضته على المشهد، مقدما فضاءه الواسع للرأي العام ليلقوا فيه ما يشاؤون من رغبات وآراء وملاحظات وصور ومقاطع، وليعبروا عن غضبهم ومعاناتهم وإحباطاتهم ومشاريعهم ومشاعرهم وإبداعاتهم ومبادراتهم ورسائلهم المتعددة الأغراض، وينقلوا من خلاله إلى العالم أجمع مشاهداتهم ومصادفاتهم وتجاربهم ولقاءاتهم اليومية، ويتحاوروا ويتجادلوا عبر وسائله في مختلف القضايا والموضوعات فيشبعوها بحثا ونقاشا، ومنها بالطبع الملفات الوطنية والمحلية، وهو ما انعكست آثاره على الحياة العامة محدثة نقلة هائلة في أنماط التفكير والسلوك، وفي حرية انتقال المعلومة واتخاذ القرارات والوعي العام والانفتاح على العالم، والقفز على الإعلام الرسمي وتجاوزه مسببا ضغطا كبيرا على صناع القرار ومؤسسات الدولة، وإن لم يظهر ذلك بشكل مباشر في بعض الأحيان والأحداث… لقد وجد المجتمع في وسائل التواصل مجالا خصبا يمارس فيه حرية التعبير وينفس عن همومه ومشاكله، ويطرح قضاياه ويعرض للكثير من الإشكالات والتناقضات والآراء… وأصبحت منبرا مفتوحا للحوار والنقاش وتبادل الأفكار والاتفاق والاختلاف على المواضيع والقضايا المطروحة، وإن كانت بعيدة عن تخصص الكثيرين منهم ولا يحيطون بخلفياتها وأبجدياتها أحيانا.
وعلى سبيل المثال،  ارتفاع الأسعار في الأسواق، والإعلان  عن أسعار الوقود في السوق المحلي وتأثيرات السياسات على السوق والشركات الصغيرة والمتوسطة، وملف الفساد والغش، وتصريحات بعض المسؤولين (الاستفزازية) وأدائهم، وأحوال الطقس والحالات الجوية، وما تشهده بعض المؤسسات والمشاريع والحلول والخيارات المطروحة من تعثر وضعف وتأخر وتراجع في خدماتها وفاعليتها، وسياسات التعليم والتخطيط… جميعها تعرضت لنقاش واسع وعميق في وسائل التواصل المجتمعي، وأحدثت غضبا بين المواطنين وجدوا متنفسهم فيها، فقد تلقت سيلا من التساؤلات والملاحظات والتعليقات المعبرة عن التنوع في الثقافة العامة واختلاف وجهات النظر التي تعكس مستويات المشاركين العمرية والتعليمية والثقافية وحصيلة الخبرة. وأعتقد بأن المجتمع والحكومة على السواء فوجئوا بهذا التطور الهائل في تقنيات وسائل التواصل التي لم يحسب لها حسابا وهيمنتها على الواقع، واستقطابها لهذه الأعداد من المواطنين مشاركة ومتابعة وتأثرا بما يطرح فيها درجة أنها باتت المصدر الوحيد للأخبار والتنبؤات والتحليلات – وإن كان معظمها يندرج ضمن الإشاعات والتهويل والحروب النفسية – والمطالبات والترويج للمنتج والذات ولم تتم تهيئة ثقافة المسؤولين والخطاب الإعلامي الحكومي للتعامل مع الإفرازات والنتائج التي أحدثتها هذه الطفرة الهائلة في تقنية الاتصال على ثقافة المجتمع … وهذه هي واحدة من الإشكالات والتحديات التي تواجه مجتمعاتنا المتلقية والمستقطبة والمستهلكة للطفرة العلمية التي يشهدها العالم، والتي لا تشارك في إنتاجها وتصنيعها، لتكون خارج التوقعات وخارج الإعداد للمستقبل واستشراف وتنبؤ تأثيراته علينا وعلى مجتمعاتنا، مع ما لذلك من مخاطر هائلة على الأمن والاستقرار والثقافة المحلية وقيم المجتمع ومبادئه من جانب وبقائنا خارج المسيرة التقدمية التي يشهدها العالم من جانب آخر…
ويمكن تلخيص أسباب سيطرة وتأثيرات وسائل التواصل على المشهد الوطني وإحلالها محل الإعلام الرسمي في الآتي:
• تشديد الرقابة على الرأي الآخر، والإبقاء على القوانين القديمة التي عفا عليها الزمن، قلص من حرية التعبير في وسائل الإعلام الحكومية، وأدى إلى التراجع في قيم الشفافية والبرامج الحوارية الهادفة، بمشاركة طرفي العلاقة الشباب والمسؤولين .
• تراجع تأثيرات الإعلام الرسمي بسبب عدم وضوح الأهداف والغايات التي يسعى إلى تحقيقها، وغياب الرسالة الإعلامية الهادفة إلى تعزيز قيم التعايش والوعي المجتمعي والحفاظ على الوحدة الوطنية ومكتسبات الدولة الحديثة ..
• إهمال الأدوار في صناعة وصقل الشخصية وتعزيز دورها المجتمعي والحفاظ على القيم الأصيلة وجوهر ثقافة وخصوصية المجتمع، فلم يتم التفعيل بما يتناسب مع التطور الذي يشهده المجتمع.
• غياب المتحدث الحكومي الرسمي الذي يفترض أن يقدم للمجتمع رؤية الحكومة وسياساتها وجهودها حول الملفات والقضايا الوطنية، من خلال اللقاءات والمؤتمرات والتصريحات والاستضافات الإعلامية، والتي تهدف كذلك إلى نفي الإشاعات وإزالة اللبس، وتعزيز ثقافة الوعي والثقة والحوارات المباشرة.
• إهمال القطاعات الثقافية والرياضية من قبل المؤسسات المشرفة على هذه القطاعات، والتي من شأنها النهوض بطاقات الشباب وتنمية المواهب واستيعاب الإبداعات وتطويرها، وملء وقت الفراغ بالمفيد وبما يحقق مصالح الوطن والمجتمع، وتجاهل أن الاستثمار في هذه القطاعات سوف يقدم لنا كفاءات وإبداعات في مجال التمثيل والإخراج والمسرح والرسم والتصوير والشعر وكتابة القصة والرواية والمقال والنقد الأدبي وكرة القدم وغيرها مما يؤهلنا للمنافسة، وتقديم اسم المغـــــــرب في المحافل والمشاركات الدولية وتعزيز الموارد وتوفير فرص وظيفية جديدة.
من المضار التي أفرزتها وسائل التواصل..
• نشر الإشاعات، ومن المؤسف أن الكثيرين يصدقونها.
• توظيف الحسابات الوهمية واستثمار الإحباطات والأخطاء في زعزعة استقرار الدول وبث الفتنة ونشر الفوضى.
• باتت مدخلا لممارسة الكثير من أعمال الابتزاز الإلكتروني والتحايل على المواطنين البسطاء .
• أكد على ضعف الوعي بمخاطر وسائل التواصل وعدم الإلمام بالقوانين التي تنظم وتحكم المشاركة فيها .
• استخدام لغة حادة وكلمات قاسية ومحاولة إقصاء الرأي الآخر والتجريح .
• تحولت إلى ساحة لإدارة المعارك بين الحكومات والشعوب والأفراد وتصفية الحسابات ونشر الكراهية والتعصب والأحقاد، ومن الخطورة استقطاب الشعوب وإدخالها ضمن الصراعات السياسية المفتعلة عبر وسائل التواصل.
• انتشار المقاطع الفاضحة والثقافة الجنسية والصور والأعمال العنيفة، التي تدمر التربية وثقافة الشعوب وتنتهك براءة الأطفال.
• تأثير السياسات الخارجية للدول على مشاركات الشعوب في وسائل التواصل التي دخلت مع بعضها في ملاسنات وأدت إلى انقسامات وخلافات حادة لا تحمد عواقبها .
• ألغى الخصوصيات والحدود بين الدول والثقافات والشعوب وانتهك خصوصيات الأفراد وتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية، ما شكل تهديدا أمنيا وضغطا نفسيا على الجميع.
• مخاطبة العواطف والمشاعر الإنسانية فعبر موقف أو صورة أو حدث يتحدث عنها فرد ما يتضامن معه ملايين البشر، ويحصل على آلاف التعليقات التي قد تثبت الأيام أنها غير حقيقية أو فيها مبالغة أو لحدث قديم.
من منافع وسائل التواصل:
• تعزيز ثقافة التعبير عن الرأي وطرح الأفكار والملاحظات القيمة والمفيدة.
• قدمت فرصة للمسؤولين والجهات المختصة للتعرف على ملاحظات المواطنين وآرائهم حول الخدمات التي تقدم والمشاريع التي تنفذ، والاستفادة من الأفكار والمقترحات التي تطرح .
• شكلت عامل ضغط لتطوير الخدمات ومعالجة المشكلات ووقف القرارات التي تشكل عبئا على حياة المواطن المعيشية، وحسابا لأية قرارات وسياسات تمس رفاهية ومكتسبات واستقرار المجتمع .
• عززت من صور الفهم والتحاور والتعارف بين المشاركين في وسائل التواصل .
• عززت من دور الإعلام التواصلي المجتمعي وقدمت للمواطن متنفسا حقيقيا بديلا عن الإعلام الرسمي الذي يمثل الحكومة.
• عرضت لتطلعات المجتمع وطموحاتهم وآمالهم، والتي في الكثير منها أكدت على أنها تقدم خططا وبرامج ورؤى الحكومة، كما أظهرت بأن ملفي الفساد والباحثين عن عمل هما أخطر ملفين يشغلان بال الشباب، وإذا أرادت الحكومة أن تحقق رضا المجتمع فعليها أن تعالجهما وتعطيهما الأولوية في الإصلاح والاهتمام.
• مشاركة الشعوب أفراحها في المناسبات الوطنية والتعبير عن الفرحة بأي فوز أو نجاح أو مكسب تحققه أي دولة من الدول ، ومشاركة الآخرين مشاعرهم ونشر ثقافة السلام والوئام والتعايش والحب والتعاون والتعريف بالمساهمات والمبادرات المجتمعية وجهود الآخرين.
• جعل من العالم قرية واحدة يشارك فيها مواطن الغرب مع مواطن الشرق في حوار مباشر.
• التسويق لإبداعات الشباب وعرض مشاريعهم التجارية، وحث المجتمع على تشجيع الجهود والمبادرات التي يقدمونها والمجالات التي ينجحون فيها. ومكنت هؤلاء الشباب من أن يبرزوا إبداعاتهم في وسائل التواصل، وأن ينشروا رسالتهم ويعبروا عن آرائهم عبر مجموعة من الصيغ (كاريكاتير ـ نكتة ـ برامج قصيرة ـ قصة قصيرة ـ مداخلة مباشرة…).
• توظيف وسائل التواصل في دراسة توجهات الرأي والتعرف على توجهات الشباب.
تشكل اليوم وسائل التواصل فرصة لقياس توجهات الرأي العام واستطلاعات مستوى الرضا، وأخذها مؤشرا أساسيا في رسم السياسات ومعالجة المشكلات والتحديات، والتي سوف تفيد نتائجها كل المهتمين من إعلاميين وباحثين ومسؤولين، وتساعدهم في عملية اتخاذ القرارات وصياغة البرامج وتحديد الأهداف، فمن الأهمية أن تتشكل لدينا مؤسسات معنية برصد توجهات الرأي العام وتطلعاته واستخلاص العوامل والأسباب التي تؤثر في هذه التوجهات، وإلى ماذا تستند انطباعات المواطن وآراؤه حول القضايا الوطنية والقرارات والتصريحات التي يقوم بها المسؤولون ومؤسسات الدولة؟ وما الأسس والمعايير التي يريدها المجتمع في المسؤولين عن المؤسسات الحكومية وممثليها والمجالس البلدية؟ لماذا هو في وضع المتبرم الساخط الغاضب منهم على ضوء التعليقات والكتابات والملاحظات التي يطرحها في وسائل التواصل؟ كيف يمكن تحقيق نسبة رضا معقولة بين المواطنين على أداء المؤسسات المختلفة في الدولة؟ هل يتطلب الوضع الحالي تغييرا واسعا في تشكيلة هؤﻻء المسؤولين أم أننا بحاجة إلى تعزيز أدوات ووسائل المحاسبة وتوسيع صلاحيات المؤسسات التشريعية والرقابية والبلدية، وتطوير مؤسساتنا الإعلامية وإعطائها جرعات حرية أكبر ومعها مؤسسات المجتمع المدني لتصبح مؤسسات مجتمع حقيقي لها صلاحياتها وإنجازاتها المحددة والواضحة؟  أم أن الأمر ناتج عن قصور في التعليم والقيم والوعي، وبالتالي فإن مجتمعنا بحاجة لتطوير ومراجعة سياسات ومناهج التعليم وبرامج التوعية والحوار الهادف مع شرائح المجتمع.. إن دراسة توجهات الرأي العام والتعرف على كيفية تولد الانطباعات العامة والوقود المحرك والناشئ والمؤثرات التي على ضوئها تتشكل آراؤه وتصاغ توجهاته تضعنا أمام معلومات جمة ومؤشرات وقراءات علمية وحقائق مبنية على واقع، وتفيدنا في اتخاذ القرارات ورسم السياسات وإعداد الخطط، وتنفيذ المشاريع ويجنبنا العديد من المخاطر والانزلاقات…
      على ضوء ما تمت الإشارة إليه ولمعالجة أو التخفيف من مضار وآثار وسائل التواصل فإنه من الأهمية تبني مجموعة من الخطط والبرامج والخطوات العملية لتأسيس ثقافة آمنة قوامها العقلانية والموضوعية، ومرجعيتها القيم الأخلاقية ومبادئ ومثل المجتمع وحرية تعبير تقوم على الاحترام والإصلاح وقول الحق والنقد البناء، من أهمها:
• تبني وسائل الإعلام الحكومية والخاصة برامج توعوية تخاطب المجتمع للتعامل بمسؤولية مع وسائل التواصل تحافظ على قيم المغــــاربة وحضارتهم وتاريخهم العريق.
• قيادة مبادرات مجتمعية توعوية تتولاها مؤسسات المجتمع ممثلة في الجامعات والكليات وجمعيات الكتاب والصحفيين والمحامين والمرأة، وتنظيم ندوات وجلسات حوارية تعزز ثقافة المشاركة في وسائل التواصل المجتمعي، والتعريف بمخاطر ومنافع هذه المشاركات والقوانين المنظمة لها.
إضافة مادة في المناهج الدراسية تربي الطلبة على ثقافة التواصل المجتمعي.
• تعزيز دور المؤسسات والفعاليات الثقافية والرياضية لاستيعاب الشباب وملء فراغهم.
     أخيرا فإن ظاهرة وسائل التواصل هي ظاهرة طبيعية صحية فرضتها تطورات العصر، والطفرة التقنية الهائلة، ومن الأهمية أن تمارس دورها الإيجابي الذي أشرنا له في صدر المقال، وسوف تصحح نفسها بنفسها تدريجيا مع مرور الوقت وسوف تختفي وتتراجع الآثار والنتائج السلبية لصالح الإيجابيات. كما أنه لا بد من الإشادة بديمقراطية بعض المسؤولين الذين فعلوا حساباتهم في وسائل التواصل وتحاوروا بشكل إيجابي مع أفراد المجتمع، متجاهلين الخطابات المسيئة والعبارات الجارحة، وأوجه الدعوة إلى المسؤولين الآخرين والمؤسسات الحكومية إلى تفعيل حساباتهم، واستثمار وسائل التواصل لتعزيز التواصل مع المجتمع، وتغليب الخطاب الموضوعي الهادئ والمنصف والمتوازن.